أبي منصور الماتريدي

572

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : أقسم بالجبال ؛ لما أرساها في الأرض ، وجعلها أوتادا لها ؛ لئلا تميد بأهلها ، ولا تميل ، على ما ذكر في غير آي من القرآن عظم شأن الجبال من هذه الجهة في قلوب الخلق . والثالث : لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغلظها وارتفاعها المياه [ الجارية وغير الجارية ] « 1 » الصافية الباردة ، وهي من ألين الأشياء وأخرج منها الأشجار الكثيرة المثمرة وغير المثمرة من غير إنبات أحد ، ولا غرسها ، وغير ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك منها بحيلهم وتكلفهم ، فأقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات . وكذلك إن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه « 2 » الزيت ؛ لما جعل لهم في ذلك من المنافع العظام ، كقوله - تعالى - : وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [ المؤمنون : 20 ] ، فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم بالجبال والتين والزيتون . أو « 3 » ذكر التين والزيتون والمراد بهما « 4 » : الجبل ؛ لما في الجبل يكونان عندهم ، على ما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ : هو مكة ؛ سماه : أمينا ؛ لما يأمن من دخله ، أو يؤمن من دخله ويحفظه ؛ لأن الأمين عند الناس هو الذي يحفظ من ائتمن عليه وفيه ، وهو المأمون به . ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك ؛ لما عظم شأنه وأمره عندهم وفي قلوبهم ، وأقسم بالجبال ؛ لعظم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل الكتاب ؛ لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي ، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي ؛ ولكن يعظمون ذلك « 5 » البلد . وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ : قال أهل التأويل : على هذا وقع القسم ، لكن القسم بغيره أولى وأقرب ؛ لأنهم قد شاهدوا وعرفوا أنه خلق الإنسان على

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : منها . ( 3 ) في ب : و . ( 4 ) في ب : منهما . ( 5 ) في ب : تلك .